الشيخ محمد رشيد رضا
14
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
له عليها ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة مرارا فان قيل : ألا يدل قوله « لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ » على استحالة التحريف أو التبديل في الكتب الإلهية أي في لفظها وعبارتها ، كاستحالة التبديل في صدقها ونفوذها ؟ قلنا انما ورد السياق والنص في صدقها وعدلها لا في لفظها ، وقد أثبت اللّه في كتابه تحريف أهل الكتاب قبلنا لكلامه ونسيانهم حظا منه ، وما كفل تعالى حفظ كتاب من كتبه بنصه إلا هذا الآن المجيد الذي قال فيه ( 15 : 9 إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) وظهر صدق كفالته بتسخير الألوف الكثيرة في كل عصر لحفظه عن ظهر قلب ، ولكتابة النسخ التي لا تحصى منه في كل عصر من زمن الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم إلى هذا العصر ، وناهيك بما طبع من ألوف الألوف من نسخه في عهد وجود الطباعة بمنتهى الدقة والتصحيح . ولم يتفق مثل ذلك لكتاب إلهي ولا غير إلهي ، فأهل الكتاب لم يحفظوا كتب رسلهم في الصدور ولا في السطور ، وسيأتي بسط هذا في موضعه إن شاء اللّه تعالى وقد ختمت هذه الآية بقوله تعالى ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) لأنه تذييل للسياق الأخير كله لا لهذه الآية فقط وهو سياق محاجة المشركين المعاندين مقترحي الآيات وفيه ذكر اقتراحهم وأيمانهم الكاذبة وذكر سائر أعداء الرسل أمثالهم من شياطين الانس والجن وخداعهم للناس بزخرف القول وصغى قلوب منكري البعث والجزاء اليه وضلالهم به - فهو يقول إنه تعالى سميع لتلك الأقوال الخادعة منهم ، عليم بما في قلوبهم من ذلك الصغى والميل وغيره من مقاصدهم ونياتهم ، وبما يقترفون من السيئات بكفرهم وغرورهم * * * ( 115 ) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 116 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ